|
الفكرة
الإبداعيّة في مصحف التجويد (ورتل القرآن ترتيلا)
لما كانت قراءة القرآن
على الشكل الصحيح والمتواتر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
تمثّل عملاً طيّباً يستجيب لأمر الله تعالى (ورتّل القرآن
ترتيلا)، إذ يصبو قارئ القرآن أن يحقق لنفسه وعد رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع
السفرة الكرام البررة).
وإنّ تحصيل قراءة
القرآن لا يُمكن أن تتمّ إلاّ عبر المشافهة والتلقّي كما تسلسل
تواتره من الأبرار إلى الأخيار إلى سيّد الخلق سيّدنا محمّد صلّى
الله عليه وسلّم.
هذا وقد أنعم الله
تعالى علينا بوسائل عصريّة تقدّم تسهيلات شتّى تخدم قارئ القرآن
لتساعده في النطق الصحيح لمخارج الحروف بغية تجويد قراءة القرآن
(أي تحسين أدائه وإظهاره على الشكل اللائق به)، ومن باب تسهيل
تلك القراءة، ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين للإمام
الغزالي-كتاب آداب تلاوة القرآن (يُستجبّ تحسين كتابة القرآن
وتبيينه، ولا بأس بالنقط والعلامات بالحمرة وغيرها، فإنّها تزيين
وتبيين وصد عن الخطأ واللحن لمن يقرؤه).
وعلى ذلك، فإنّ الله
تعالى مُنجز وعده (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون)
قد منّ على أمّتنا الإسلاميّة بأن قيض لها من يتبارون لخدمة
قضايا أمّتهم على مدى العصور والأزمان، وكان لتدوين كلام الله
تعالى في قرآنه المجيد النصيب الأوفى من تلك الخدمات الجلّى...
ففي صدر الإسلام وبعد أن أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
أصحابه ـ وهو لا يقرأ ولا يكتب ـ بأن يكتبوا كلام الله تعالى،
فكتبوه رسماً فقط بدون شكل ولا نقط (حيث كان ذلك يُميّز
بالسماع والتلقّي فقط)، ومن المعروف أنه بعد أن جُمع القرآن في
عهد الخليفة عثمان بن عفّان رضي الله عنه، قام أبو الأسود الدؤلي
في عهد الإمام علي كرّم الله وجهه بإنجاز الإعجام أو الشكل،
بغية تمييز الحركات الإعرابية لتوضيح المعنى، فالفتحة مثلاً فوق
لفظ الجلالة في الآية الكريمة (إنّما يخشى اللهَ من عباده
العلماء) تجعل المعنى يستقيم، في حين أن الضمة عوضاً عنها
تعكس المعنى رأساً على عقب، ويصبح القول شركاً والعياذ بالله،
وعلى هذا ظهرت أهميّة تدوين الشكل بالحركات الإعرابية الأربع من
فتحة وضمّة وكسرة وسكون، ولم تعد تلك الحركات سماعيّة تؤدّى
مشافهة بالتلقّي فقط، وإنّما أصبحت مرئيّة بالعين تساعد قارئها
في استقامة المعنى وتركيز الذهن عليه.
أمّا الخدمة الممميّزة
الثالثة في تدوين كلام الله تعالى فقد تمت من قبل النصر بن عاصم
الليثي بتكليف من الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ في عهد الخليفة عبد
الملك بن مروان ـ حيث تمّ تدوين التنقيط بوضع النقطة والنقطتين
والثلاث على الأحرف المتشابهة بالرسم، تمييزاً لها عن بعضها
ليستقيم المعنى ويتفرغ الذهن له، عوضاً عن انشغاله بتمييز الحاء
عن الخاء عن الجيم مثلاً، فأصبحت النقطة فوق حرف الحاء تجعله
(خاء)، وأسفله تجعله (جيم)، وهكذا.
في حين بقي التجويد
يؤخذ بالتلقّي والمشافهة فقط، بمساعدة بعض القواعد التي تعين
حافظها على تذكّر الأحكام التجويديّة ليجري تطبيقها أثناء
التلاوة، كقاعدة (يرملون) للدلالة على مواقع الإدغام مثلاً.
ومرّت السنون....
والناس بين حافظ لتلك الأحكام ـ ولله الحمد ـ وبين بعيد عنها
بدعوى صعوبتها وحاجتها للمران والتدريب بالتلقّي...
وكان أن هيّأ الله لنا
ما نستفيد به من تقنيّات العصر وعلومه من خلال فهم تطبيقي لعلم
الأصوات، فأمكن تصنيف الحروف الخاضعة لأحكام التجويد الرئيسيّة
ضمن ثلاث فئات:
-
فئة الحروف التي تمدّ
مداً زائداً (بالنسبة لحروف العلّة: الألف والواو والياء).
-
فئة الحروف التي تخرج
بغُنّة من الخيشوم (الألف) (بالنسبة لحروف الياء والواو والميم
والنون).
-
مخارج حروف القلقلة
والراء المفخّمة.
وعلى هذا فقد أمكن
الاستعانة بالتلوين للوصول إلى نتائج مرضية تفي بتحقيق التسهيل
المطلوب في التعرّف على الحكم التجويدي وأدائه بشكل مرئي بالعين،
وبغية مساعدة القارئ العادي للدلالة على موقع الحكم ونوعه،
والقارئ الحافظ لتذكيره بتلك الأحكام.
وكان للعبارة المدوّنة
بتقرير لجنة إقرار مصحف مجمّع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد،
والتي ورد فيها: (وكان علماء الضبط يُلحقون هذه الأحرف حمراء
بقدر حروف الكتابة الأصلية ولكن تعسّر ذلك في المطابع فاكتُفي
بتصغيرها في الدلالة على المقصود) كان لها أثر بالغ في التفكير
باستخدام اللون المرمّز زمنياً لتحقيق الغرض المطلوب، إذ أنّ
الموانع التي كانت في السابق مع مرحلة بداية الطباعة كانت تحول
دون اللجوء إلى استخدام تلك العلامات اللونية، وبما أنّه أصبح
متاحاً الآن على مطابع الأوفست استخدام التقنيّات المتطوّرة في
مجال الألوان، وعوضاً عن وضع الألوان على الإطار الزخرفي للمصحف
الشريف أو تلوين لفظ الجلالة باللون الأحمر، فإنّ الاستفادة من
هذه الألوان في الدلالة على الأحرف الخاضعة لأحكام التجويد هو من
باب أولى لمصلحة القارئ العادي.
وبهذا كان فتحاً من
الله تعالى ورود فكرة استخدام تلوين الحرف للتعبير عن خضوعه لحكم
معيّن، وتدرّج شدة اللون للتعبير عن زمن هذا الحكم...
فإذا كان
اللون الأحمر مثلاًَ يعبّر عن المد، فالأحمر الغامق هو للمد
الطويل اللازم بست حركات، والأحمر القاني هو للمد الواجب بخمس
حركات، والأحمر البرتقالي هو للمد الجائز،
في حين أنّ اللون
الأخضر استخدم للتعبير عن موقع الغنّة، وزمنها حركتان (مقدار
الحركة الواحدة بسط الإصبع أو ضمّها، أو حوالي نصف ثانية).
وقد
استخدم اللون
الأزرق الغامق
للراء المفخّمة
والأزرق
السماوي للقلقلة
أمّا اللون
الرمادي فاستخدم
للتعبير عن
ما يكتب ولا
يُلفَظ من
الحروف وبذلك
يطبّق القارئ
للقرآن 28
حكماً تجويديّاً
بشكل مباشر
في أثناء التلاوة،
من خلال ألوان:
الأحمر والأخضر
والأزرق (إذ
أنّ اللون
البرتقالي
هو للمد الجائز
من الحركتين
حتى الست حركات
وبهذا يُمكن
أن يُعامل
معاملة اللون
الأحمر، في
حين أنّ اللون
الكمّوني هو
للإشارات القصيرة
وذات المد
الطبيعي بحركتين
فقط وهو خصوصيّة
الألف المحذوفة
في الرسم العثماني
غالباً).
أي أنّ العين من خلال
اللون الأحمر ترى مواقع المد، ومن اللون الأخضر ترى مواقع
الغنّة، ومن اللون الأزرق ترى مخرجي التفخيم والقلقلة، وهكذا
يتمكن القارئ العادي من تركيز ذهنه على معنى كلام الله تعالى فقط
وفهم مراميه وتدبّر أحكامه، بمجرّد تعرّفه على المفتاح الموجود
في المصحف الشريف.
ونشير
هنا إلى أن
تمييز أحكام
التلاوة وتجويدها
داخلٌ في مجال
تسهيل القراءة
على القارئ
الذي لم ينل
معرفة وافية
من علم التجويد،
وقد بذل علماء
القراءات والرسم
غاية جهدهم
لتحقيق هذه
الغاية المباركة
في تمييز الشكل
لمعرفة المُدغم
من المُظهر
وغير ذلك من
الأحكام، وقد
أجاز المحققون
منهم استعمال
ألوان الحبر
في التفريق
بين الحركات
(كما أثبت ذلك
الإمام أبو
عمرو بن عثمان
بن سعيد الداني
المتوفّى عام
444هـ) في كتابه (المُحكم
في نقط المصاحف)
ص 8
و23
حيث قال: (أرى
أن تكون الحركات
والتنوين والتشديد
والسكون والمد
بالحُمرة والهمزات
بالصفرة) فهذا
تصريح بجواز
التلوين الذي
يُعين على
تحسين تلاوة
القرآن الكريم.
وفي
كتاب الإتقان
في علوم القرآن
ج 2
ص 170
وما بعدها
للإمام الحافظ
السيوطي المتوفّى
عام 911هـ
(يُستحب كتابة
المصحف وتحسين
كتابته وتبيينها
وإيضاحها)
وعملنا هنا
هو تحسين للكتابة
وإيضاح لها.
وكان سيدنا عمر بن
الخطّاب رضي الله عنه إذا رأى مصحفاً عظيماً سرّ به، وعن ابن
مسعود رضي الله عنه إذا مُرَّ عليه بمصحف زُيّن بالذهب قال: (إنّ
أحسن ما زُيّن به المصحف تلاوته بالحق) وهذا العمل يُعين على
تلاوته بالحق، وقال الإمام النووي (نَقطُ المصحف وشكله مستحب
لأنّه صيانة له من اللحن والتحريف) والتلوين يزيد في الإيضاح.
وفيما
يتعلّق بعملنا
هذا، بيّن
شيخ قرّاء
الديار الشـاميّة
محمد كريم
راجح في 21
صف1412
هـ، بأنّ هذا
العمل (مقبول
وإذا لم ينفع
لم يضر، ثمّ
هو يُذكر ويدل،
ولا يغني عن
التلقّي من
أفواه المشايخ)،
في حين بيّن
الشيخ القارئ
محي الدين
الكردي في
18
صفر 1415هـ
(بأنّه قد يستفيد
من هذا العمل
البعيد عن
التعلّم والكبير،
فإنّهم لا
يستطيعون التلقّي).
وقد
بيّن الأستاذ
الدكتور وهبة
الزحيلي عضو
مجمّع الفقه
الإسلامي بجدّة
ورئيس قسم
الفقه الإسلامي
ومذاهبه بجامعة
دمشق في 18
محرم 1415
هـ مايلي: (يقول
الله تعالى
"ولقد يسّرنا
القرآن للذكر
فهل من مدكّر"
وفي هذا دلالة
واضحة على
أنّ كل ما يُيَسّر
تلاوة القرآن
المفروض شرعاً
تدبّره وفهم
معانيه وإدراكه،
والعمل بما
جاء فيه، أمر
واجب شرعاً
على أولي العلم
والفقه وتفسير
كتاب الله،
وإذا كان ترتيل
القرآن المجيد
واجباً شرعاً
على النحو
المعروف في
علم التجويد،
فإنّ كل أسلوب
يُسهّل على
القارئ معرفة
أحكام التجويد
والالتزام
بها في التلاوة
أمر جائز شرعاً،
سواء أكانت
حروف الطباعة
بلون واحد
أم بألوان
مختلفة، والقراءة
الناجحة هي
التي ترتسم
حروف كلماتها
في الذهن،
وهذه الطبعة
للقرآن المجيد
بالألوان تتفق
مع تيسير القرآن
وترتيله، وتثبت
الأحكام في
الذهن، فذلك
أسلوب معاصر
مرغوب فيه
ولا ينافي
المأثور والرسم
المنقول، والله
الموفق لدار
المعرفة على
هذا العمل
المبرور).
ولدى استبيان آراء
علماء القراءة والفقهاء على مستوى العالم الإسلامي تبيّن أن هذا
العمل فيه (مساعدة كبرى على ضبط القراءة لكتاب الله تعالى، ولا
يوجد فيه مانع شرعي، أسوة بما سبق من جهود للمسلمين في خدمة كتاب
الله تعالى من شَكل ونَقط وعلامات وقف ومد وما إلى ذلك).
|